التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفتاح كيافي : ليبيا.. الليبيون الحُمر

يتوجب عليك كلما التقيت ليبياً خارج ليبيا، أن تخوض نوبة أو اثنتين من النواح، يبكي هو وتولول أنت.. ويندلق كأس الويسكي حتى يثبت أحدكما للآخر أنه أكثر وطنية وشعوراً بالأسى من الآخر، فلا يوجد شعب في العالم يتنافس في "طياح السعد" كما يحدث عندنا، حتى مجرد شعورك بالتعب أو الجوع، ستجد من ينافسك فيه. كما أنك لا تلتقي أحداً يخبرك أنه غادر البلاد في ظروف اختيارية، أعني أن يقول لك صراحة "عندي فلوس أو جنسية أخرى وهربت وعائلتي من هول الحرب"، لا بد أن يكون مناضلاً بطريقة أو بأخرى، ويتآمر على قتله الأشرار هنا وهناك، وهذا مرده - على الأغلب – لأفلام الكرتون التي عرضت في ليبيا خلال العقود السابقة.

وأنا أحمّل "زعبور" شخصياً مسؤولية شعور مواطنينا بالخطر المحدق من كل جانب. كما أنك لا تتحدث إلى ليبي داخل البلد إلا ويقسم لك "بالطلاقات" أنه لن يغادر الوطن، وفاءً منه وشعوراً بالمسؤولية.. مناضل من الداخل.. أما كونه "متزرط" هناك بلا مرتب أو جواز سفر أو بلد يقبل به من الأساس، فهذا لا علاقة له بالأمر.
وبعد أن يُظهر كلاكما جانبه الفلسفي والاستراتيجي والعسكري، ويكتمل استعراض العضلات والمعلومات التاريخية، ينتهي النقاش بجملة محايدة في شكلها، مفادها أن كليكما لا تنامان الليل من حجم الوجع من أجل الشباب الذين يموتون في الحرب، من الطرفين راهو!. والحقيقة أن هذه الجملة لا تعجبني كثيراً، أعني أن تعتبر مقاتلاً شرساً يمتهن قتل البشر إنساناً يستحق الوجع، ولأكون أكثر صراحة، أنا لا أمانع الحرب إلا في جانب واحد، كونها تجري في المدن وبين شوارع المسالمين والدراويش، ولو كانت في صحراء خالية لاعتبرتها نعمةً سماوية.
في حقبة ماضية، يغزو ثلاثة مراهقين من الهنود الحمر  مبيت جندي أبيض لسرقة حصانه، وفي طريقهم يقول أحدهم: "إذا عدنا بالحصان، فإن نساء القبيلة ستؤلف الشعر والأغاني فينا، وتتغنى بنا القبيلة كلها". للهنود الحمر صيحات مميزة، تصدر منهم كلما حققوا نصراً أو قتل أحدهم في غزوة ما.  لم أجد كلمة تصف صيحاتهم أفضل من "تزعير". في العادة يقف أحدهم ويزعّر: "تزعييييير"، ويزعر بقية رجال القبيلة رافعين سيوفهم البدائية، بينما تزعّر وتزغرد النساء قبالتهم.
أما في هذا القرن في ليبيا، فإن الحكاية تبدأ بأن تعلن جبهة إعلامية ظهور أرواح شريرة في قرية أو مدينة ما، الجبهة الإعلامية متمثلة في الناشط الفيسبوكي المتحذلق، والشبه عاطل عن العمل قبل ثورة القرية المجيدة، ومعه شلة مغردين وقناة تليفزيونية وقصعة كسكسي بالبُصلة، ومن ثم تُنصب منصات الجراد وصبابيط الحمام أمام تلك المنطقة المسكونة، وتدكّ على رؤوس أهلها، وتحرق مطاراتهم ومرافقهم الحكومية أو تُقصف بالطائرات المصدّية، وعندما تطول معركة العفاريت قليلاً تزور القناة التليفزيونية الخطوط الخلفية في البداية، الحرائر في مشهد رومانسي جداً يحضّرن المحمّر والمشمّر للأشاوس، ويكتبن "الغنّاوات" والأشعار بكل حب وشبق للتريس العرقانين، في ورقة صغيرة فوق أطباق الأكل، ويتحدث المذيع إلى عجوز مكرمشة تُعبر عن إيمانها بالقضية وتغدقها بالبركة. وعندما تطول المعركة أكثر تنتقل الكاميرا إلى الخطوط الأمامية، ويتحدث المذيع إلى قائد الغزوة، وتصيح الشلايك والسرايف خلفه: "تكبييير" "الله وكبر الله وكبر"، ويعلن "اوليد امه" أنهم سيطردون الأرواح الشريرة شر طردة، وأن صواريخهم وقذائفهم مدهونة بماء الرقية، ويبشر أهل المنطقة التعيسة بأن قنابله وصواريخه لن تؤذيهم، وأنهم – الغزاة – ما أتوا إلا حباً فيهم وحرصاً عليهم، يقال - والله أعلم – إن  فرويد قد تقلّب في قبره مؤخراً وقال: "نخخخخخ نعليا".
هؤلاء الليبيون الحمر لا يستحقون أي نوع من الأسى، الليبي الأحمر هو مرتزق حقيقي، يعرف جيداً مكاسبه من القتل والحرب، الرجل وراءه قرية كاملة تسبح بحمده، يقبض مرتبه ويفخر به والداه، ويعود بالغنائم والفلوس كل مرة، وتتغنى بصلابته وريشة الفرسنة فوق رأسه حرائر القرية. هذا رجل تاريخي من الماضي ابتلينا به في هذا العصر، لا أمل من إصلاحه، ومن الطبيعي جداً أن يموت، أن يرحل إلى رفاقه القدامى. ليته فقط يرحل دون أن يصطحب معه أطفالنا، ودون أن يورطنا في مزيد من المناضلين والصناديد


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

Nuha Dadesh: A Libyan in Libya’s standpoint!

A tragedy? A misery? A perpetual tale of horror? I honestly don't know what I should      call life in Libya! And a desperate cry from my soul apathetically shouts from within, "does it really matter what you should call it?" 
     Because, do I, a Libyan in Libya, really matter to the rest of the world? And that surges feelings of betrayal and envy which build up a hostility for the rest of the world! But, what does that even mean?-"The rest of the world"? Aren't we all the rest of the world to someone? 
     When the revolution was claimed a victory, the supporters were ready to tolerate whatever subsequent consequence. However, humans can only tolerate so much pain and despair before crashing down. People started taking sides. It's not black and white anymore; it's the whole spectrum now!       It's the countless and seemingly never ending misfortunes that we as Libyans, as humans, suffer on an hourly basis that plagued our land with fatigu…

رواد رضوان: أين المفر؟

أحياناً نمر بتلك الايام التي نحتاج فيها للحديث عن "ضيقة الصدر"، وهذه التدوينة عبارة عن "تنفيس" لا أكثر ولا أقل، لا أتوقع أن يقرأها أحد ولا أدعي أن هناك من قد يسيفيد منها، ما هذه إلا فضفضة عن النفس خلال اواخر ساعات العمل الأخيرة من هذا اليوم. 
عزيزي feel free to leave
ضاقت بنا الدنيا فإلى أين المفر..  في بلادنا لا نجد الفرص، نسافر الدنيا بحثاً عنها، فنجدها، ولكن لا نطالها 
لماذا؟؟
لأنك عزيزي في أعينهم خطر.. أي خطر؟ تتسأل... كلانا لا يدري ...  تجد فرصتك ولكن تاتيك الأخبار "عفوا عزيزي لقد تم رفض وجودك هنا"  ..كأنهم يقولون "أنت خطر"  ةلكن بكلمات جميلة 
ما علينا ..
ولكن أين المفر 
إلى بلاد اللا فرص  أم إلى ذل الغربة 
قد لا تفهم المقصود مما ذكرت.... لا تحزن ... فأنت لا تعيش حيث أعيش 

Rawad Radwan: Best of #LibyansAgainstSlavery

A couple of days CNN published an undercover video shows a slave auction in Libya, it was so sad to see this happening in my beautiful country by a group of criminals. I was speechless, I couldn't process what i saw. 

few hours from the release of the video, Libyans on Twitter started #LibyansAgainstSlavery to express their sympathy with the victims of slavery, others expressed their opinions on what we can do to fight this, while other apologized to the world, so here's the best of it:


#LibyansAgainstSlavery
I am Libyan, I work for IOM, me and my colleagues are working hard in daily bases to provide all kind of help & assistance to migrants who are struggling in detention centers all over Libya, the ones who work in slavery trade are the minority here not us. — مـــ ع ـــاذ ⵎⵓⵄⴰⴷ ⵣ (@M_Abouzamazem) November 18, 2017

We have an issue with #racism in #Libya and it's the time we fix it by firstly outlawing the use of the racist word (3***) atleast socially that should be o…